لقاء الملك الروحاني



اعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه و فطرهم على معرفته و جعلهم وسائل بينهم و بين عباده يعرفونهم بمصالحهم و يحرضونهم على هدايتهم و يأخذون بحجزاتهم عن النار و يدلونهم على طريق النجاة. و كان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق و الأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم و لا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم قال صلى الله عليه و سلم : " ألا و أني لا أعلم إلا ما علمني الله ". و اعلم أن خبرهم في ذلك من خاصيته و ضرورته الصدق لما يتبين لك عند بيان لك عند بيان حقيقة النبوة.

و علامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين و ليست منهما في شيء و إنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية. ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند الله ثم تنجلي عنه تلك الحال و قد وعى ما القي إليه قال صلى الله عليه و سلم و قد سئل عن الوحي : " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشده علي فيفصم عني و قد وعيت ما قال و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ". و يدركه أثناء ذلك من الشدة و الغط مالا يعبر عنه. ففي الحديث : " كان مما يعالج من التنزيل شدة " و قالت عائشة: " كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه و إن جبينه ليتفصد عرقا " و قال تعالى : { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } و لأجل هذه الغاية في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون و يقولون له رئي أو تابع من الجن و إنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال{ و من يضلل الله فما له من هاد }.

و من علاماتهم أيضا أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير و الزكاء و مجانبة المذمومات و الرجس أجمع و هذا هو معنى العصمة و كأنه مفطور على التنزه عن المذمومات و المنافرة لها و كأنها منافية لجبلته. و في الصحيح أنه حمل الحجارة و هو غلام مع عمه العباس لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشيا عليه حتى استتر بإزاره. و دعي إلى مجتمع وليمة فيها عرس و لعب فأصابه غشي النوم إلى أن طلعت الشمس و لم يحضر شيئا من شأنهم بل نزهه الله عن ذلك كله حتى إنه بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة فقد كان صلى الله عليه و سلم لا يقرب البصل و الثوم فقيل له في ذلك فقال : " إني أناجي من لا تناجون " . و انظر لما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أول ما فاجأه و أرادت اختباره فقالت اجعلني بينك و بين ثوبك فلما فعل ذلك ذهب عنه فقالت إنه ملك و ليس بشيطان و معناه أنه لا يقرب النساء و كذلك سألته عن أحب الثياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض و الخضرة فقالت إنه الملك يعني أن البياض و الخضرة من ألوان الخير و الملائكة و السواد من ألوان الشر و الشياطين و أمثال ذلك.

و من علاماتهم أيضا دعاؤهم إلى الدين و العبادة من الصلاة و الصدقة و العفاف. و قد استدلت خديجة على صدقه صلى الله عليه و سلم بذلك و كذلك أبو بكر و لم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله و خلقه. و في الصحيح أن هرقل حين جاءه كتاب النبي صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام أحضر من وجد ببلده من قريش و فيهم أبو سفيان ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال بما يأمركم فقال أبو سفيان بالصلاة و الزكاة و الصلة و العفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال إن يكن ما تقول حقا فهو نبي و سيملك ما تحت قدمي هاتين. و العفاف الذي أشار إليه هرقل هو العصمة فانظر كيف أخذ من العصمة و الدعاء إلى الدين والعبادة دليلا على صحة نبوته و لم يحتج إلى معجزة فدل على أن ذلك من علامات النبوة.

و من علاماتهم أيضا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم و في الصحيح " ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه " و في رواية أخرى "في ثروة من قومه " استدركه الحاكم على الصحيحين. و في مساءلة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال كيف هو فيكم فقال أبو سفيان هو فينا ذو حسب فقال هرقل والرسل تبعث في أحساب قومها و معناه أن تكون له عصبة و شوكة تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه و يتم مراد الله من إكمال دينه و ملته.

و من علاماتهم أيضا وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم و هي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزة و ليست من جنس مقدور العباد و إنما تقع في غير محل قدرتهم و للناس في كيفية وقوعها و دلالتها على تصديق الأنبياء خلاف. فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة بقدرة الله لا بفعل النبي و إن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم و ليس للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا التحدي بها بأذن الله و هو أن يستدل بها النبي صلى الله عليه و سلم قبل وقوعها على صدقه في مدعاه. فإذا وقعت تنزلت منزلة القول الصريح من الله بأنه صادق و تكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية فالمعجزة الدالة بمجموع الخارق و التحدي. و لذلك كان التحدي جزء منها و عبارة المتكلمين صفة نفسها و هو واحد لأنه معنى الذاتي عندهم.

و التحدي هو الفارق بينها و بين الكرامة و السحر إذ لا حاجة فيهما إلى التصديق فلا وجود للتحدي إلا إن وجد اتفاقا. و إن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها و كانت لها دلالة فإنما هي على الولاية و هي غير النبوة و من هنا منع الأستاذ أبو إسحق و غيره وقوع الخوارق كرامة فرارا من الالتباس بالنبوة عند التحدي بالولاية. و قد أريناك المغايرة بينهما و إنه يتحدى بغير ما يتحدى به النبي فلا لبس على أن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحا و ربما حمل على إنكار أن تقع خوارق الأنبياء لهم بناء على اختصاص كل من الفريقين بخوارقه.

و أما المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أن الخوارق ليست من أفعال العباد و أفعالهم معتادة فلا فرق و أما وقوعها على يد الكاذب تلبيسا فهو محال. أما عند الأشعرية فلأن صفة نفس المعجزة التصديق و الهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدليل شبهة و الهداية ضلالة و التصديق كذبا و استحالت الحقائق و انقلبت صفات النفس و ما يلزم من فرض وقوعه المحال لا يكون ممكنا. و أما عند المعتزلة فلأن وقوع الدليل شبهة و الهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله.

و أما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي و لو كان في غير محل القدرة بناء على مذهبهم في الإيجاب الذاتي و وقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف عن الأسباب و الشروط الحادثة مستندة أخيرا إلى الواجب الفاعل بالذات لا بالاختيار. و أن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية منها صدور هذه الخوارق بقدرته و طاعة العناصر له في التكوين و النبي عندهم مجبول على التصريف في الأكوان مهما توجه إليها و استجمع لها بما جعل الله له من ذلك و الخارق عندهم يقع للنبي سواء كان للتحدي أم لم يكن و هو شاهد بصدقه من حيث دلالته على تصرف النبي في الأكوان الذي هو من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعية كما هي عند المتكلمين و لا يكون التحدي جزءا من المعجزة و لم يصح فارقا لها عن السحر و الكرامة. و فارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه و الساحر على الضد فأفعاله كلها شر و في مقاصد الشر. و فارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى السماء و النفوذ في الأجسام الكثيفة و إحياء الموتى و تكليم الملائكة و الطيران في الهواء. و خوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل و الحديث عن بعض المستقبل و أمثاله مما هو قاصر عن تصريف الأنبياء و يأتي النبي بجميع خوارقه و لا يقدر هو على مثل خوارق الأنبياء. و قد قرر ذلك المتصوفة فيما كتبوه في طريقتهم و لقنوه عمن أخبرهم.

و إذا تقرر ذلك فاعلم أن أعظم المعجزات و أشرفها و أوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي و يأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه. و القرآن هو بنفسه الوحي المدعى و هو الخارق المعجز فشاهده في عينه و لا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر الخوارق مع الوحي فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل و المدلول فيه. وهذا معنى قوله صلى الله عليه و سلم : " ما من نبي من الأنبياء إلا و أتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر و إنما كان الذي أوتيته و حيا أوحى إلي فأنا أرجو أن أكون تابعا يوم القيامة " يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح و قوة الدلالة و هو كونها نفس الوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدق المؤمن و هو التابع و الأمة.

و لنذكر الآن تفسير حقيقة النبوءة على ما شرحه كثير من المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شان العرافين و غير ذلك من مدارك الغيب فنقول اعلم أرشدنا الله و إياك أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب و الإحكام و ربط الأسباب بالمسببات و اتصال الأكوان بالأكوان و استحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك و لا تنتهي غاياته و أبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجسماني. و أولا عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعدا من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض و كل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا و هابطا و يستحيل بعض الأوقات و الصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك و هو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط و بها يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها و أوضاعها و ما بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه الآثار فيها.

ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج. آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش و ما لا بذر له و آخر أفق النبات مثل النخل و الكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون و الصدف و لم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط. و معنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده و اتسع عالم الحيوان و تعددت أنواعه و انتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر و الروية ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس و الإدراك و لم ينته إلى الروية و الفكر بالفعل و كان ذلك أول أفق من الإنسان بعده و هذا غاية شهودنا.

ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوعة ففي عالم الحس آثار من حركات الأفلاك و العناصر و في عالم التكوين آثار من حركة النمو و الإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا مباينا للأجسام فهو روحاني و يتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في و جودها و لذلك هو النفس المدركة و المحركة و لا بد فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الإدراك و الحركة و يتصل بها أيضا و يكون ذاته إدراكا صرفا و تعقلا محضا و هو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الأوقات في لمحة من اللمحات و ذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد و يكون لها اتصال بالأفق الذي بعدها شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه فلها في الاتصال جهتا العلو و السفل و هي متصلة بالبدن من أسفل منها و تكتسب به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل و متصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكة و مكتسبة به المدارك العلمية و الغيبية. فإن عالم الحوادث موجود في تعقلاتهم من غير زمان و هذا على ما قدمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته و قواه بعضها ببعض.

ثم إن هذه النفس الإنسانية غائبة عن العيان و آثارها ظاهرة في البدن فكأنه و جميع أجزائه مجتمعة و مفترقة آلات للنفس و لقواها أما الفاعلية فالبطش باليد و المشي بالرجل و الكلام باللسان و الحركة الكلية بالبدن متدافعا و أما المدركة و إن كانت قوى الإدراك مرتبة و مرتقية إلى القوة العليا منها و من المفكرة التي يعبرون عنها بالناطقة فقوى الحس الظاهرة بآلاته من السمع و البصر و سائرها يرتقي إلى الباطن و أوله الحس المشترك و هو قوة تدرك المحسوسات مبصرة و مسموعة وملموسة و غيرها في حالة واحدة و بذلك فارقت قوة الحس الظاهر لأن المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد. ثم يؤديه الحس المشترك إلى الخيال و هي قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجة فقط و آلة هاتين القوتين في تصرفهما البطن الأول من الدماغ مقدمه للأولى و مؤخرة للثانية ثم يرتقي الخيال إلى الوهمية و الحافظة فالوهمية لإدراك المعاني المتعلقة بالشخصيات كعداوة زيد و صداقة عمرو و رحمة الأب و افتراس الذئب و الحافظة لإبداع المدركات كلها متخيلة و هي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها.

و آلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخر من الدماغ أوله للأولى و مؤخره للأخرى ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر و آلته البطن الأوسط من الدماغ و هي القوة التي يقع بها حركة الروية و التوجه نحو التعقل فتتحرك النفس بها دائما لما ركب فيها من النزوع للتخلص من درك القوة و الاستعداد الذي للبشرية و تخرج إلى الفعل في تعقلها متشبهة بالملإ الأعلى الروحاني و تصير في أول مراتب الروحانيات في إدراكها بغير الآلات الجسمانية فهي متحركة دائما و متوجهة نحو ذلك و قد تنسلخ بالكلية من البشرية و روحانيتها إلى الملكية من الأفق الأعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة و الفطرة الأولى في ذلك
.

Bouton "J'aime" de Facebook
 
Publicité
 
 
Aujourd'hui sont déjà 7 visiteurs (12 hits) soyez l bien venu
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=